أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
37
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
مكي بن أبي طالب ، فإنه قال : الكاف وما بعدها من « كَأَنْ » صفة لليوم ، وفي الكلام حذف ضمير يعود على الموصوف تقديره : كأن لم يلبثوا قبله ، فحذف « قبل » فصارت الهاء متصلة ب « يَلْبَثُوا » فحذفت لطول الاسم ، كما يحذف من « الصلات » . ونقل هذا التقدير أيضا أبو البقاء ، ولم يسم قائله فقال : وقيل : فذكره . والوجه الثاني : أن تكون الجملة في محل نصب على الحال من مفعول « يَحْشُرُهُمْ » ، أي : يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة ، هذا تقدير الزمخشري ، وممن جوز الحالية أيضا ابن عطية ومكي وأبو البقاء ، وجعله بعضهم هو الظاهر . الوجه الثالث : أن تكون الجملة نعتا لمصدر محذوف ، والتقدير : يحشرهم حشرا كأن لم يلبثوا ، ذكر ذلك ابن عطية وأبو البقاء ومكي . وقدر مكي وأبو البقاء العائد محذوفا ، كما قدراه حال جعلهما الجملة صفة لليوم ، وقد تقدم ما في ذلك . الرابع : قال ابن عطية : ويصح أن يكون قوله : « كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا » كلاما مجملا لم يبين الفعل الذي يتضمنه « كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا » . قال الشيخ « 1 » : « ولعله أراد ما قاله الحوفي من أن « الكاف » في موضع نصب بما تضمنه معنى الكلام وهو السرعة » انتهى . قال « 2 » : فيكون التقدير : « ويوم نحشرهم يسرعون » . حالا من مفعول « نحشرهم » ويكون « كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا » حالا من فاعل « يسرعون » ، ويجوز أن يكون « كَأَنْ لَمْ » مفسرة ل « يسرعون » المقدرة . قوله : يَتَعارَفُونَ فيه أوجه : أحدها : أن الجملة في محل نصب على الحال من فاعل « يَلْبَثُوا » . قال الحوفي : « يَتَعارَفُونَ » فعل مستقبل في موضع الحال من الضمير في « يَلْبَثُوا » ، وهو العامل ، كأنه قال : متعارفين ، والمعنى : اجتمعوا متعارفين . والثاني : أنها حال من مفعول « يَحْشُرُهُمْ » أي : يحشرهم متعارفين ، فالعامل فعل الحشر ، وعلى هذا فمن جوز تعدد الحال جوز أن يكون « كَأَنْ لَمْ » حالا أولى ، وهذه حال ثانية ، ومن منع ذلك جعل « كَأَنْ لَمْ » على ما تقدم من غير الحالية . قال أبو البقاء : وهي مقدرة ، لأن التعارف لا يكون حال الحشر . والثالث : مستأنفة أخبر تعالى عنهم بذلك . قال الزمخشري : فإن قلت : « كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا » و « يَتَعارَفُونَ » كيف موقعهما ؟ قلت : أما الأولى فحال من « هم » أي : يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة . وأما الثانية فإما أن تتعلق بالظرف - يعني فيكون حالا - وإما أن تكون مبينة ، لقوله : « كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً » ، لأن التعارف لا يبقى مع طول العمد وينقلب تناكرا » . قوله : « قَدْ خَسِرَ » فيها وجهان : أحدهما : أنها مستأنفة أخبر تعالى بأن المكذبين بلقائه خاسرون لا محالة ، ولذلك أتى بحرف التحقيق . والثاني : أن يكون في محل نصب بإضمار قول أي : قائلين قد خسر الذين ، ثم لك في هذا القول المقدر وجهان :
--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 162 ) . ( 2 ) أنظر المصدر السابق .